داعش...و سياسة ضرب التعايش

هاوژين عمر
 مذ اندحاره العسكري و انحسار بعض مناطق نفوذه في العراق و سوريا، يحاول تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) صرف أنظار العالم عن اخفاقاته العسكرية بتكثيف هجاماته الإرهابية في العمق الأوربي، لا سيما فرنسا، و قد سلك من أجل ذلك طرائق و اساليب غير تقليدية- مموهة، لم يتعود عليها أجهزة الأمن و المخابرات من قبل.

داعش عدو غير تقليدي، يستخدم أساليب غير تقليدية في حربه المفتوحة مع العالم. لا يقوم بعملياته الإرهابية اعتباطاً، من أجل الضجة الإعلامية فقط، و إنما يدرس بعناية ما يقوم به توقيتاً، و فعلاً، و تشخيصاً و آليةً.
من حيث الآلية، لجأ في هجماته الأخيرة في فرنسا و ألمانيا إلى وسائل إرهابية غير تقليدية، كالأسلحة البيضاء( السكين و الفأس)و وسيلة مواصلاتية عادية، متوفرة عند اغلبية الناس و هي السيارة. و من حيث التوقيت، حدد يوماً ذا مغزى و مدلول في ذاكرة الأوربيين و العالم، ألا و هو اليوم الوطني الفرنسي 14/7 المرتبط بالثورة الفرنسية التي اتت بمادئ المساواة و العدالة و الإخاء.

 و قد عنى داعش أيضاً بهوية ضحاياه و من يستهدفهم، ففي لبنان ضرب المسيحيين في بلدة القاع الحدودية مع سوريا، و في تركيا شخص بوابة السياح و ضرب مطار أتاتورك الدولي, و في فرنسا ضرب كنيسة(سانت دو روفراي) القريبة من مدينة روان، و ذبح قسها. و في الشرق، ركز على الأقليات الإثنية و الطائفية، فحارب الكورد، و ضرب الإزديين، و المسيحيين، و الشيعة.

إنَّ استهداف داعش لهذه الأقليات الإثنية و الطائفية في الشرق وتركيزه على العمق الأوربي، لا سيما الثقافة الفرنسية، متولدة من فلسفته الإيديولوجية التي تصور صراعه مع العالم الغربي بصراع حضاراتي بين عالمين مختلفين، و بين ديانتين مختلفتين، الإسلام و المسيحية. و يرى ما يشهده العالم الإسلامي  الآن امتداد للحروب الصليبية عليه، و تركيزه على الكورد و القوميات الأخرى مرده النهج الشوفيني- الإسلاموي الذي يرى الإسلام الحقيقي في القومية العربية و أن الأقوام الأخرى لم يدخل الإسلام حبا به، و إنما خوفا و سياسة، و هم لا يمثلون الإسلام الحق . أما صراعه مع الشيعة له جذور تاريخية و إيديولوجية الممتدة عبر 1400 سنة، و مرتبط بالصراع الموجود داخل الحضارة الواحدة الذي مر به اوربيين ايضا في أواسط قرن السابع عشر للميلاد، حين حارب المسيحيين بعضهم البعض أربعين عاماً متغذيين بالصراعات و النعرات التي كانت سائدة بين الكنيستين الكاثوليكية و الارثدوكسية.

إذن، ما يقوم به داعش اليوم ما هي إلا تعميق للفلسفة التي يؤمن بها و هي صراع الحضارات، و الصراع الموجود داخل الحضارة الواحدة، فبتركيزه على العمق الأوربي يريد ضرب جسور التواصل و شرايينها، و تعميق الفجوة الموجودة بين سكان أوربا الأصليين و من هجروا إليها من الشرق، خصوصاً الجالية الإسلامية، و قطع كل صلات التلاحم بينهما، بغية ضرب السلم المجتمعي و نشوب حرب أهلية-دينية، بين المسلميين و المسيحيين.

و في الشرق، يركز دائما على مناطق خطوط الصدع، و بيئات الصراع، فبمحاربته الكورد و الشيعة و بعض السنة، يحاول تأجيج الخلافات الموجودة بين هذه المكونات و إيصالها إلى الذروة و مرحلة الفلتان و و حرب شعواء يأكل الأخضر و اليابس.

إنَّ هذه السياسة ليست سياسة داعشية محضة، مسجلة باسمه، إنما سياسة كل الجماعات الإسلامية الراديكالية، بدءاً بالجهاديين الذين ظهروا في افغانستان إبان الإحتلال السوفيتي لها، مرورا بالقاعدة و بوكو حرام، و وصولاً للداعش الذي هو أكثرهم نجاحاً في تطبيقها.

ينمو داعش في البيئات المضطربة سياسياً و اقتصادياً و مجتمعياً، لذا لا يؤول جهدا في ضرب خطوط الصدع الموجودة في الشرق و الشرايين الاقتصادية لمكوناته المتصارعة. و يرى في استهدافه للنظام السياسي الغربي فرصة لإحداث فجوة كبيرة و تباعد بينه و بين  أنظمة الشرق، أملاً في وقف دعمه العسكري لها، بغية الانقضاض عليها بسهولة.

لقد نجحت هذه الجماعات الإسلامية المتطرفة- بانتهازها لمجموعة من العوامل-  إلى حد كبير في تعميق الإختلافات الثقافية الموجودة بين مكونات الشرق، و من ثم دفع  الصراع إلى مرحلة خطيرة يصعب التأقلم بين هذه المكونات المختلفة داخل كيانات سياسية و اقتصادية موحدة.

و في الشق الغربي، ساهمت هجمات هذه الجماعات، منذ اعتداءات القاعدة على السفارة الاميركية في نيروبي وصولآ لليوم، في نمو الحركات العنصرية- اليمينية المعادية للعالم الإسلامي و الداعية لطرد الجالية الشرقية و تضييق الخناق عليهم و إغلاق الحدود بوجههم، كما ساهمت في تغيير النظرة المجتمعية للجالية الإسلامية في الغرب و سلوكها معهم. كما و  ضربت الاقتصاد العالمي في الصميم من حيث النمو و إحداث تذبذب في مؤشر البورصات العملاقة المؤثرة على اقتصاد العالم.

إنَّ العلاقات المستقبلية بين العالمين الشرقي و الغربي في خطر، هي في مواجهة خطر مزدوج، إحداه خطر الجماعات التكفيرية الراديكالية التي ترأسها داعش، و الآخر صعود اليمين المتطرف في كل من نرويج و ألمانيا المتمثلة بحركة بيكدا، و تنامي مؤييدي و أصوات ساسة من أمثال دونالد ترامب في الولايات المتحدة الإميركية و تيريا ماي في المملكة المتحدة.



٭أستاذ جامعي

‌ ‌عدد القراءات619

الاكثر قراءة


Copyright © 2016 Xendan.org all rights reserved
Design by AVESTA GROUP , programming and database by KURDSKY.COM